القرطبي
80
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ثم طلب أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه ، تحفظا من أن تقع الإجابة في الولد ولكن يحترم ، ولا يتحصل منه الغرض . السادسة - قال العلماء : دعاء زكريا عليه السلام في الولد إنما كان لاظهار دينه ، وإحياء نبوته ، ومضاعفة لاجره لا للدنيا ، وكان ربه قد عوده الإجابة ، ولذلك قال : " ولم أكن بدعائك رب شقيا " أي بدعائي إياك . وهذه وسيلة حسنة ، أن يتشفع إليه بنعمه ، ويستدر ( 1 ) فضله بفضله ، يروى أن حاتم الجود لقيه رجل فسأله ، فقال له حاتم : من أنت ؟ قال : أنا الذي أحسنت إليه عام أول ، فقال : مرحبا بمن تشفع إلينا بنا . فإن قيل كيف أقدم زكريا على مسألة ما يخرق العادة دون إذن ؟ فالجواب أن ذلك جائز في زمان الأنبياء وفي القرآن ما يكشف عن هذا المعنى ، فإنه تعالى قال : " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " [ آل عمران : 37 ] فلما رأى خارق العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته ، فقال تعالى : " هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة " ( 2 ) [ آل عمران : 38 ] الآية . السابعة - إن قال قائل : هذه الآية تدل على جواز الدعاء بالولد ، والله سبحانه وتعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد ، ونبه على المفاسد الناشئة من ذلك ، فقال : " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " ( 3 ) [ التغابن : 15 ] . " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " ( 3 ) [ التغابن : 14 ] . فالجواب أن الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة حسب ما تقدم في " آل عمران " ( 2 ) بيانه . ثم إن زكريا عليه السلام تحرز فقال : ( ذرية طيبة ) وقال : " واجعله رب رضيا " . والولد إذا كان بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة ، وخرج من حد العداوة والفتنة إلى حد المسرة والنعمة وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لانس خادمه فقال : ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته ) فدعا له بالبركة تحرزا مما يؤدي إليه الاكثار من الهلكة . وهكذا فليتضرع العبد إلى مولاه في هداية ولده ، ونجاته في أولاه وأخراه اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء ، [ الأولياء ] ( 4 ) وقد تقدم في " آل عمران " ( 2 ) بيانه .
--> ( 1 ) في ا وج : ويسأله ( 2 ) راجع ج 4 ص 72 فما بعد . ( 3 ) راجع ج 18 ص 140 فما بعد . ( 4 ) من ج وك وى .